هل تحولت المقابلات الإعلامية إلى تجارة لدى بعض الفنانين الغائبين عن الفن؟ - شربل الغاوي
حين يطلب الغائب ثمناً لغيابه
كانت المقابلة الإعلامية في زمنٍ مضى مساحة يطلّ منها الفنان على جمهوره، ونافذة تبقي اسمه حيّاً في الذاكرة. لم تكن إعلاناً مدفوعاً، ولا عقداً تجارياً، بل لقاءً بين صاحب تجربة وجمهور يريد أن يعرفه أكثر.
من حق الفنان الذي يملأ الشاشات أعمالاً ويصنع الحدث كل عام أن يختار المنبر الذي يناسبه، وأن يحدد شروط ظهوره كما يشاء. فهذا جزء من قيمة حضوره وحجم الطلب عليه. لكن المفارقة تبدأ عندما يتحول بعض الغائبين عن الساحة إلى أصحاب شروط، فيطالبون بمقابل مادي للحديث عن أنفسهم، فيما لا يملكون عملاً جديداً، ولا حضوراً فنياً يفرض هذه المعادلة.
الأغرب أن بعض هؤلاء لم يعد يتذكرهم الجمهور إلا لأن صحافيين ما زالوا يؤمنون بتجاربهم ويحاولون إعادتهم إلى الضوء. فبدلاً من أن تكون المقابلة فرصة لاستعادة الحضور، تتحول إلى معركة على الأجر، وكأن المشكلة ليست في الغياب بل في قيمة الدعوة.
كم من فنان أعادته مقابلة واحدة إلى الواجهة أكثر مما فعلت أعمال كاملة. وكم من ظهور إعلامي صادق صنع ضجة وأعاد اسماً كاد أن يختفي من التداول. فالممثل مهنته التمثيل، نعم، لكنه يحتاج أحياناً إلى الكلمة ليذكّر الناس بوجوده، وإلى الشاشة ليحافظ على مكانه في الذاكرة.
أما أن يرفض البعض الظهور لأن البرنامج لا يملك ميزانية للدفع، أو يرفض حتى التكريم المعنوي لأنه لا يحمل مكافأة مالية، فهنا لا يعود الأمر دفاعاً عن القيمة، بل يتحول إلى مساهمة مباشرة في صناعة النسيان.
فالنجومية لا تسقط عندما يتوقف الإعلام عن السؤال، بل عندما يعتقد بعض الفنانين أن الجمهور ما زال ينتظرهم بالقدر نفسه الذي كانوا ينتظرونه هم قبل سنوات. والواقع أن الشهرة، مثل الضوء، لا تحب المقاعد الفارغة طويلاً.
شربل الغاوي
مخرج وصحافي وناقد سينمائي