من يختبئ خلف قوائم الدعوات؟ - شربل الغاوي
ثمانية عشر عامًا أمضيتها في الإعلام والفن. خلال هذه السنوات، التقيت فنانين، مخرجين، منتجين، إعلاميين، مسؤولين، وشخصيات عامة. كوّنت علاقات واسعة مع أشخاص تركوا أثرًا في مجالاتهم، إلا أنني لم أتعرف يومًا إلى أولئك الذين يقررون من يُدعى إلى الحفلات والمهرجانات. وجوه مجهولة، تعمل في الظل، لا يعرفها أحد، لكنها تتصرف وكأنها تملك مفاتيح المشهد الإعلامي.
هؤلاء أُوكلت إليهم مهمة بسيطة: تنظيم الدعوات وتوجيهها إلى الإعلاميين وأصحاب المنصات. لكن بعضهم حوّل هذه المهمة إلى سلطة، وصارت الدعوة عنده امتيازًا، والاستبعاد عقوبة، وكأن قيمة الإنسان تُقاس برسالة تصل إلى هاتفه.
كانوا يظنون أن بإمكانهم تكبير أسماء وتصغير أخرى، وأن بإمكانهم صناعة المشهد من خلال قوائم الدعوات. لكن الحقيقة أن كل الوسط الإعلامي يعرف أن هذه الأسماء ليست هي التي تصنع القيمة، بل هي مجرد موظفين يؤدون دورًا مؤقتًا، بينما يبقى الأثر لمن يصنعه بنفسه.
لم أنشغل يومًا بالسؤال: لماذا لم تصلني دعوة؟ لأنني كنت مشغولًا بسؤال أهم: ماذا سأصنع غدًا؟
وبعد ثمانية عشر عامًا، اكتشفت أنني مدين لبعض هؤلاء بالشكر، نعم… بالشكر.
لأن محاولات التهميش لم تهمشني، بل حررتني. دفعتني إلى أن أخرج من دائرة انتظار الدعوات، إلى مساحة أكبر بكثير؛ مساحة صناعة الخبر.
هناك فرق شاسع بين من ينتظر دعوة ليغطي حدثًا، وبين من يصنع حدثًا تتسابق المواقع لنشره. الأول ينقل الخبر، والثاني يصبح هو الخبر.
اليوم، كثير من المنصات الإعلامية تتواصل معي طالبةً المادة التي أكتبها أو أصنعها، لا لأنها مجبرة، بل لأنها وجدت فيها قيمة تستحق النشر. لم أعد أبحث عن مكان بين الحضور، بل أصبحت أبحث عن فكرة تجعل الحضور جميعًا يتحدثون عنها.
لذلك، احتفظوا بقوائمكم، ووزعوا دعواتكم كما تشاؤون، واستبعدوا من تشاؤون. فالدعوة لا تصنع اسمًا، والحرمان منها لا يلغي تاريخًا.
لقد تعلمت أن أكبر انتصار للإعلامي ليس أن يكون جالسًا في الصف الأول داخل قاعة الاحتفال، بل أن يكون اسمه في اليوم التالي حاضرًا في كل مكان، لأن ما صنعه كان أكبر من أي بطاقة دعوة.
أما أنا… فلم أعد أسأل لماذا لم يدعوني أحد، لأنني ببساطة اخترت أن أصنع الخبر، لا أن أنتظر من يدعوني لنقله.
شربل الغاوي
مخرج وصحافي وناقد سينمائي