الطريق إلى مار شربل… حين تتعب الأرض وتبدأ السماء - شربل الغاوي
ليس الطريق إلى مار شربل طريقًا تُحصى فيه الخطوات، بل طريقٌ تُخلَع فيه الأوجاع. كلما اقتربت، شعرت أن العالم يبقى خلفك بكل صخبه، وأن قلبك وحده يواصل السير. هناك، لا يتبدّل المكان… بل يتبدّل الزمن. وكأن الشتاء، بكل ما يحمله من بردٍ ووحشة، يقف عند عتبة الدير عاجزًا عن العبور، فيما يولد في داخلك فصلٌ آخر، لا اسم له إلا السكينة.
وحين تقف أمام الضريح، لا تشعر أنك أمام رفات قديس، بل أمام حضنٍ مفتوح منذ قرون. شيءٌ خفيّ يلامس روحك قبل عينيك، ودفءٌ يتسلّل إلى أعماقك دون أن تعرف من أين جاء. لا هو دفء الشمس، ولا دفء الحجر، بل دفءُ رحمةٍ تسبقك إليك، فتسقط عن قلبك أثقالٌ حملتها سنوات، وتذوب في صدرك قسوةٌ كنت تظن أنها لن تلين أبدًا.
ثم يحدث ما لا تستطيع اللغة أن تفسّره. يصير الصمت صلاة، والدموع اعترافًا لا يحتاج إلى كلمات. تشعر أن الضريح لا ينظر إلى وجهك، بل إلى كسورك الخفية، إلى تلك الجروح التي أخفيتها عن الناس، وحتى عن نفسك. هناك، لا تخجل من دمعتك، لأن المكان يعرف أن بعض الدموع ليست ضعفًا… بل شفاء.
ويولد فيك فضولٌ لا يشبه فضول البشر؛ فضولٌ لمعرفة السرّ الذي يجعل آلاف القلوب تأتي مثقلةً بالخيبة، ثم تعود وكأنها استعادت شيئًا كانت قد فقدته منذ زمن. ما الذي يسكن هذا المكان حتى يصبح الصمت فيه أبلغ من الخطب، والركوع فيه أصدق من آلاف الكلمات؟ وما الذي يجعل القلب، كلما همَّ بالمغادرة، يلتفت وراءه كطفلٍ يرفض أن يفارق حضن أبيه؟
عند ضريح مار شربل، لا تشعر أنك تزور قديسًا فحسب، بل تشعر أن السماء اقتربت من الأرض مسافةَ دمعة. وتكتشف أن أعظم المعجزات ليست تلك التي تُشفى فيها الأجساد، بل تلك التي يُبعث فيها القلب من تعبه، ويعود إلى الحياة بعدما ظنّ أنه لن يعرف السلام مرةً أخرى.
وحين تغادر، تدرك الحقيقة التي لا يعلّمها كتاب: أن الإنسان قد يصل إلى أماكن كثيرة في حياته، لكن هناك أماكن تصل هي إليه… وتبقى فيه إلى الأبد.
شربل الغاوي
مخرج وصحافي وناقد سينمائي