النقد الفني… هل يهدّد لقمة العيش أم يكشف عطب الصناعة؟ - شربل الغاوي
كلّما كُتب نقد فني صريح، عاد الاتهام نفسه إلى الواجهة: أنتم تقطعون لقمة العيش. تُقال الجملة وكأنها حكم نهائي، لا يحتاج إلى نقاش، وكأن الكلمة أخطر من الرداءة، وأقسى من الفشل المتراكم.
السؤال مشروع، لأن الفن مهنة، والمهنة مرتبطة بالعيش. لكن تحويل لقمة العيش إلى ذريعة لإسكات النقد هو اختزال مخلّ، يهرب من جوهر المشكلة ولا يقترب منها.
النقد الفني، في جوهره، ليس فعل هدم، بل فعل مساءلة. هو المساحة التي يُفصل فيها بين ما نجح وما أخفق، بين الاجتهاد والتكرار، وبين التجربة الحيّة والعمل المستهلك. من دون هذا الدور، يتحوّل الفن إلى دائرة مغلقة، تُعاد فيها الأخطاء نفسها تحت غطاء التصفيق والمجاملة.
أما لقمة العيش، فلا تُهدَّد بمقال نقدي، ولا تُحمى بالصمت. الذي يحدّد مصيرها هو نظام إنتاج كامل: معايير الاختيار، آليات توزيع الفرص، طبيعة السوق، ودور الإعلام. حين تغيب العدالة المهنية، ويُستبدل المعيار بالعلاقات، يصبح الخلل بنيويًا، ويُحمَّل النقد وزر ما لم يصنعه.
الممثل الذي يراكم خبرته ويطوّر أدواته لا يرى في النقد تهديدًا، بل جزءًا من مساره الطبيعي. النقد هنا يصبح مرآة، لا سكينًا. أما الخوف المفرط من التقييم، فغالبًا ما يعكس هشاشة في التجربة أو قلقًا من انكشاف محدوديتها.
في المقابل، لا بد من التمييز الواضح بين النقد المهني والتشهير. النقد يناقش العمل: أداءً، واختيارات، وسياقًا، ورؤية. أما الإساءة الشخصية فهي خروج عن المهنة، ولا يمكن الدفاع عنها باسم الحرية أو الرأي. غير أن الخلط المتعمّد بين الأمرين لا يخدم إلا إلغاء أي مساءلة.
الفن ليس مساحة محصّنة من الرأي العام. من يختار الظهور في هذا المجال يختار، ضمنًا، أن يُناقَش عمله ويُقيَّم. الصمت لا يحمي المهنة، بل يؤجّل أزمتها ويعمّقها.
في المحصلة، النقد لا يُسقط الفنان. الذي يُسقطه هو الركود، والتكرار، وغياب التحدّي. المجاملة قد تمنح راحة مؤقتة، لكنها تُفرغ التجربة من معناها. أما الصمت الطويل عن الخلل، فهو الطريق الأهدأ إلى تراجع الفن وتآكل الثقة به.
النقد، حين يُمارَس بمهنية ومسؤولية، ليس ضد الممثل، بل في صميم الدفاع عن الفن نفسه، وعن حقه في التطوّر، حتى عندما يكون هذا الدفاع قاسيًا.
شربل الغاوي
مخرج وصحافي وناقد سينمائي